وهبة الزحيلي

179

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

واضح . وهذا بعد ما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى ، ومن هو في الضلال . وهذا الإبهام أبلغ من التصريح ؛ لأنه في صورة الإنصاف المسكت للخصم ، وهو تلطف بهم في الدعوة إلى الإيمان إذا وفقوا له . أَجْرَمْنا أذنبنا ، أو وقعنا في الجرم ، وهو الذنب . وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ لأنا بريئون منكم . يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا يوم القيامة . ثُمَّ يَفْتَحُ أي يحكم ، والفتاح : الحاكم ؛ لأنه يفتح طريق الحق ويظهره ، وبعد الحكم يدخل تعالى أهل الحق والإيمان الجنة ، وأهل الباطل والكفر النار . وَهُوَ الْفَتَّاحُ الحاكم بالحق . الْعَلِيمُ بما يحكم به وبما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح . قُلْ : أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ أي أعلموني بالدليل وجه الشركة في استحقاق العبادة ، وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم ، زيادة في تبكيتهم . كَلَّا كلمة للزجر عن كلام أو فعل صدر من المخاطب ، والمراد هنا : ردع لهم عن اعتقاد شريك للّه تعالى . بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الموصوف بالغلبة وكمال القدرة ، والحكمة الباهرة في تدبيره لخلقه ، فلا يكون له شريك في ملكه . وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي وما أرسلناك إلا للناس جميعا عربهم وعجمهم ، و كَافَّةً مانعا لهم ، من الكف وهو المنع عن الكفر ودعوتهم إلى الإسلام ، أو جامعا لهم بالإنذار والإبلاغ ، من الكف بمعنى الجمع ، والتاء للمبالغة ، والمعنى على الأول : إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم ؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد ، وعلى الثاني : إلا جامعا للناس في الإبلاغ والإنذار ، وهو حال من الكاف ، ولا يجوز جعله حالا من لِلنَّاسِ لأن تقدم حال المجرور عليه ممنوع كتقدم المجرور على الجار . بَشِيراً وَنَذِيراً مبشرا للمؤمنين بالجنة ، ومنذرا للكافرين بالعذاب . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك ، فيحملهم جهلهم على مخالفتك ، فهم لا يعلمون ما عند اللّه وما لهم من النفع في إرسال الرسل . وَيَقُولُونَ : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي ويقول المشركون من فرط جهلهم : متى يكون هذا الوعد بالعذاب الذي تعدوننا به يا محمد وصحبه ، وهو قيام الساعة ، أخبرونا به إن كنتم صادقين فيه . والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . مِيعادُ يَوْمٍ وعد يوم أو زمان وعد ، وهو يوم البعث أو القيامة . لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ أي هذا الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون عليه ، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قدّر اللّه وقوعه فيه . وهو جواب تهديد جاء مطابقا لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإنكار .